المقريزي
300
المقفى الكبير
فإذا بصرير نعل من خلف السرادق . فقال : يا غلام ، جئني بصاحب هذا النعل ! . فأخرجت إليه جارية سوداء . فقال : ما كنت تعملين ههنا ؟ قالت : جئت إلى الخادم أعرّفه أنّي قد فرغت من الطبخ فأستأذن في تقديمه . فقال : انصرفي لشأنك . فعلمت أنّه أراد تعريفي أنّ ذلك الوطء وطء سوداء مبتذلة وأنّها ليست من حرمه ولا من مصونة ، فيزيل عنّي أن أظنّ مثل ذلك في حرمه . فهل يكون هذا من فعل مغفّل ؟ ويقال إنّ المقتدر لمّا قبض عليه ، أنفذ إلى داره من يحصي ما فيها ويحمله ، فوجد في جملة قماشه سبعمائة مزمّلة خيازر فما ظنّك بمروة « 1 » وقماش يكون هذا في جملته ؟ [ نوادر أخرى في حمقه المزعوم ] وممّا يحكى من حمقه أنّه كان يقول في دعائه : اللهمّ ، اغفر لي من ذنوبي ما تعلم وما لا تعلم . وقال يوما للوزير علي ابن الفرات : يا سيّدي ، عندنا في الحويرة كلاب لا يتركوننا ننام من الصياح والقتال . فقال : أحسبهم جراء ؟ فقال : لا تظنّ أيّها الوزير ذلك ، كلّ كلب مثلي ومثلك . ونظر في المرآة مرّة فقال لرجل : انظر ذقني هل كبرت أو صغرت ؟ فقال : إنّ المرآة بيدك ! قال : صدقت ، ولكنّ الحاضر يرى ما لا يرى الغائب . ورؤي وهو يبكي وينتحب . فقيل له : ما لك ؟ قال : أكلت اليوم مع الجواري المخيض بالبصل فآذاني . فلمّا قرأت في المصحف : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ [ البقرة : 222 ] قلت : ما أعظم قدرة اللّه ! قد بيّن كلّ شيء ، حتّى أكل اللبن مع الجواري . وأراد مرّة أن يدنو من بعض جواريه فامتنعت عليه فقال : أعطي اللّه عهدا : لا قربتك إلى سنة ، لا أنا ولا أحد من جهتي ! وقال يوما : قد جربت يديّ : لو غسلتها ألف مرّة لم تنظف حتّى أغسلها مرّتين . وماتت أمّ أبي إسحاق الزجّاج ، فاجتمع الناس عنده للعزاء . فأقبل ابن الجصّاص وهو يضحك ويقول : يا أبا إسحاق ، واللّه سرّني هذا ! فدهش الزجّاج والناس ، فقال بعضهم : يا هذا ، كيف سرّك ما غمّه وغمّنا ؟ قال : ويحك ! بلغني أنّه هو الذي مات ، فلمّا صحّ عندي أنّها أمّه سرّني ذلك . فضحك الناس . وكان يكسر يوما لوزا ، فطفرت لوزة وأبعدت ، فقال : لا إله إلّا اللّه ، كلّ الحيوان يهرب من الموت ، حتى اللوز ! . وقال مرّة في دعائه : اللهمّ ، إنّك تجد من تعذّبه غيري ، وأنا لا أجد غيرك يغفر لي [ 390 أ ] فاغفر لي . وقال : اللهمّ ، امسخني جويريّة وزوّجني بعمر ابن الخطّاب . فقيل له : سل اللّه أن يزوّجك من النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم إن
--> ( 1 ) لم نفهم هاتين الكلمتين .